فخر الدين الرازي
47
تفسير الرازي
فأصبحت * ( تنزع الناس ) * ويدل عليه قوله تعالى : * ( فترى القوم فيها صرعى ) * ( الحاقة : 7 ) فالتاء في قوله : * ( تنزع الناس ) * إشارة إلى ما أشار إليه بقوله : * ( صرعى ) * وقوله تعالى : * ( كأنهم أعجاز نخل منقعر ) * فيه وجوه أحدها : نزعتهم فصرعتهم : * ( كأنهم أعجاز نخل ) * كما قال : * ( صرعى كأنهم أعجاز نخل ) * ثانيها : نزعتهم فهم بعد النزع : كأنهم أعجاز نخل وهذا أقرب ، لأن الانقعار قبل الوقوع ، فكأن الريح تنزع ( الواحد ) وتقعر ( ه ) فينقعر فيقع فيكون صريعاً ، فيخلو الموضع عنه فيخوى ، وقوله في الحاقة : * ( فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ) * إشارة إلى حالة بعد الانقعار الذي هو بعد النزع ، وهذا يفيد أن الحكاية ههنا مختصرة حيث لم يشر إلى صرعهم وخلو منازلهم عنهم بالكلية ، فإن حال الانقعار لا يحصل الخلو التام إذ هو مثل الشروع في الخروج والأخذ فيه ثالثها : تنزعهم نزعاً بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعروا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض ، وفي المعنى وجوه أحدها : أنه ذكر ذلك إشارة إلى عظمة أجسادهم وطول أقدادهم ثانيها : ذكره إشارة إلى ثباتهم في الأرض ، فكأنهم كانوا يعملون أرجلهم في الأرض ويقصدون المنع به على الريح وثالثها : ذكره إشارة إلى يبسهم وجفافهم بالريح ، فكانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة . المسألة الثانية : قال ههنا : * ( منقعر ) * فذكر النخل ، وقال في الحاقة : * ( كأنهم أعجاز نخل خاوية ) * فأنثها ، قال المفسرون : في تلك السورة كانت أواخر الآيات تقتضي ذلك لقوله : * ( مستمر ، ومنهمر ، ومنتشر ) * ( القمر : 19 ، 11 ، 7 ) وهو جواب حسن ، فإن الكلام كما يزين بحسن المعنى يزين بحسن اللفظ ، ويمكن أن يقال : النخل لفظه لفظ الواحد ، كالبقل والنمل ومعناه معنى الجمع ، فيجوز أن يقال فيه : نخل منقعر ومنقعرة ومنقعرات ، ونخل خاوٍ وخاوية وخاويات ونخل باسق وباسقة وباسقات ، فإذا قال قائل : منقعر أو خاوٍ أو باسق جرد النظر إلى اللفظ ولم يراع جانب المعنى ، وإذا قال : منقعرات أو خاويات أو باسقات جرد النظر إلى المعنى ولم يراع جانب اللفظ ، وإذا قال : منقعرة أو خاوية أو باسقة جمع بين الاعتبارين من حيث وحدة اللفظ ، وربما قال : منقعرة على الإفراد من حيث اللفظ ، وألحق به تاء التأنيث التي في الجماعة إذا عرفت هذا فنقول : ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ثلاثة ، ووصفها على الوجوه الثلاثة ، فقال : * ( والنخل باسقات ) * ( ق : 10 ) فإنها حال منها وهي كالوصف ، وقال : * ( نخل خاوية ) * ( الحاقة : 7 ) وقال : * ( نخل منقعر ) * فحيث قال : * ( منقعر ) * كان المختار ذلك لأن المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول ، لأنه الذي ورد عليه القعر فهو مقعور ، والخاو والباسق فاعل ومعناه إخلاء ما هو مفعول من علامة التأنيث أولاً ، كما تقول : امرأة كفيل ، وامرأة كفيلة ، وامرأة كبير ، وامرأة كبيرة . وأما الباسقات ، فهي فاعلات حقيقة ، لأن البسوق أمر قام بها ، وأما الخاوية ، فهي من باب حسن الوجه ، لأن الخاوي موضعها ، فكأنه قال : نخل خاوية المواضع ، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث